
كانّ يُمارسُ فنّ الاختباء إلاّ مِن جُدرانِ منزلهِ ، يُكوّرُ جَسده و يلتوي على نفسِهِ و يحتضِنُ كُلّ الأجسامِ المحشوة بِالقطن ،
يتقَوقَع ، يَمنعُ أيّ نُور مِن التسلُّلِ و الامتداد لبؤبؤيه الكبيرين ، كُل الزوايا داكِنةٌ قاتمة الملامِح ,
(هُو) لا ينسى أن يُذكَّر الخادِمة كُلّ فجر بأن تُسدَل كُل الستائِر يحرصُ على هذا الأمرِ أكثر من حرصهِ على أيّ أمر آخر و حِين تَغفل الخادمة ، و يلمَحُ أيّ بصيصٍ مِنَ النُور فإنّ نَوبةً مِن الجُنونِ تُصِيبُه فيصرُخُ بلا تَوقّف و الويلُ يُصيبُ الخادِمة ، لا مُحال..!
أُصيبَ بِهذهِ الحالة ، حين نّبأته الحاسة السادِسة بِخطرٍ قادِم مِن، العالَمِ الخارجي ، و حينَ تًنبأ بِالدَم يُخضِبُ رأسه ، لَم تكُن نوباتِ الحُلم المؤلم الذي يتكرر و يُصيبُه بغتةً أقلَّ ألَماً منَ الصُداع الذي كانَ يُرافقُه دائِماً ولا أقلَّ تأثيراً مِن الاضطراب و الأرقِ الذي يُصيبُه خمس ليالٍ على الأقل كل أسبوع .
يَهرُبُ مِن هاجِس حُلم و تنبؤاتٍ آمنَ بحقيقتِها ، بل و آمن بِقُدرَتِهِ على التنبُؤ مِن خلالِها ، و يلوذُ بِالظلامِ ليختبئ و يقتُل كُلّ الثواني باختبائِه..!
و ذاتَ ظلامٍ حالِك اتكأ على بمِرفقهِ على عمُودٍ خشبي، مستنِداً على كُرسّيه الخشن و يُداعبُ أخيلة الفكر و إذا بِلهيبٍ حارق و ألسنة النار تشتعِل و أجنِحة اللهب تتطايرُ يُحاولُ الصُراخ فَـ لا يستطيع و كَأن قيُوداً مِن النار قيّدت لِسانه و أحرقته يَرى دمائه تخضِّب جسدهُ و يلمَحُ طيفَ امرأةٍ تمرُّ وراء النارِ المشتعلة و كأنّها أحدثت الحريق و هَربت نحو المجهول ,
إنّها ملامِح الخادِمة إنّها الخطرُ القادِم مِن العالمِ الخارجي إنّها كُل تنبؤاتِه , تنًفسَ أنفاسَهُ الأخيرة المختلِطة بالندم ، تمنى لو تَنفس النورَ لِلحظة و أيقنَ أنّه لا ينفعُ حذرٌ مِن قَدر ..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق