الأب الرُوحي / عبدالحميد المهاجر


غدَقُ الحُب

وَوَدَدْتُ لَو أَنَّ الطَرِيقَ لِكَرْبلاء
مِن مَوْلِدِي سَيْرَاً لِحِينِ مَمَاتِي
لأُنَادِي فِي يَومِ الحِسَابِ تَفَاخُرَاً
أَفْنَيْتُ فِي حُبّ الحُسَينِ حَيَاتِي
إلَى المُمتَدّةِ أبصَارهم لـِ كَلِمَاتِي,والمُدرِكَة بصائِرهم لـِ مَا ورَاءَها, إنّ أورَاقِي ارتَوَت بالحَرفَ النَابِضَ بِحُبّ الحُسين, فانهَلُوَا مِمّا ارتَوَت منهُ كلِمَاتِي .

السبت، 23 يناير 2010

حِكَايَةٌ مِن دَمْعٍ وَدَم !



حِكَايَةٌ مِن دَمعٍ و دَم !
حُزْنٌ لا يُقْبَرُ , وجرحٌ لا يَندَمِل , وجَعٌ مُلتَهِبٌ يَمْتَدُّ مِن عُمقِ الطفِّ ويسكُنُ مشَاعِرَنَا الّتِي تتضخَّمُ حُزنَاً , حِكَايَةٌ خُطَّت بِدِمَاءِ العظَمَة , ورُسِمَت بِدُمُوع الخُلُود , ونُعِيَت بِصَوتِ الحقّ , لِتسْتَقِرًّ فِي قُلُوبِنَا , وتُوشَمَ فِي ذَاكِرَتِنَا ... حِكَايَةٌ مِن دَمْعٍ و دَم .. !

حِكَايَةُ طِفْلَة الحُسَين الَّتِي بَقِيَت تُعانِقُ المَدَىَ البَعِيد بِنَاظِرَيْهَا تنتَظِرُ عَوْدَة قَمَرِهَا الّذِي ذَابَ فِي سَمَاء العَظَمَة وشَعَّ نُورُهُ لأهلِ السَمَاوَاتِ بَعْدَ أن استَبَاحَ دمُهُ أهْلُ الأرض! عَلَىَ بَابِ الخَيْمَةِ جَلَسَت تَنْظُرُ لِلسَمَاءِ المُتشِّحَةِ بِلَوْنِ الدَم , تُرَاقِبُ الحُمْرَةَ وهِيَ تَتَفَاقَمُ فِي سمَاءِ يَومِ العَاشِر , يتضَخَّمُ الحُزْنُ فِي قَلْبِهَا, تَنْحَدِرُ الدُمُوعُ عَلَى خَدَّيْهَا , وتَنْكَسِرُ فِي قَلْبِهَا أمْنِيَّةُ اللِّقَاءِ !

رُقيَّة , الَّتِي أبَىَ القَدَر إلاَّ أن تُشَارِكَ النِّسَاء مَرَارَة السَّبْيِ , وتُشَارِكَ الرِّجَال حَلاوَةَ الشَهَادَة , وتُشَارِكَ اليَتَامَىَ ألَمَ اليُتم , إنَّ أصْدَاءَ الصَرَخَات الَّتِي أطْلَقَتْهَا رُقيَّة فِي خَرِبَةِ الشَام بَقِيت تَدْوِي فِي أسمَاعِ الدهر وستَبْقَىَ كذَلِكَ إلى يَومِ يُرجَعُون !

هِيَ ابْنَةُ أبِيهَا الَّتِي مَا شَهِدَ التَارِيخُ مَثِيلاً لِعِشْقِها لأبِيهَا , إلاَّ عِشْقُ فَاطِمَة (ع) لَسيِّدِ الخَلْقِ مُحمّد (ص) ,كَأنَّ التَارِيخَ يُعِيدُ نَفْسَهُ , وكأنَّ القُلُوبَ الأبِيَّة تَشْتَرِكُ فِي لَوْنِ الوجَعِ , رُقيَّة قَد عَافَتِ الحيَاةَ بَعْدَ أفُولِ النَّجْمِ , وجدّتُهَا (ع) قَالت بَعْدَ رَحيلِ سيّدِ الخَلْقِ مُحمَّد (ص) على الدُنيَا مِن بَعْدِكَ العفَا , وكِلتَيْهما لَم يدُم بَقَاؤُهُمَا طَوِيلاً بَعْدَ فُقْدَانِ الأحبَّة .. !

و مِن بَعْدِ قَطْعِ شَجَرَةِ الأرَاك الَّتِي كَانَت تَسْتَظِلُ بِهَا فَاطِمَة فِي لَحَظَاتِ أنِينِهَا على أبِيهَا , هَا هِيَ السِيَاطُ تتلَوَّى على جسَدِ رُقيَّة لمَّا اسْتَظَلَت بِنَخْلَةٍ لتَغفُو هُنَيْهَة بَعْدَ أن أرهَقَهَا النَحِيبُ والمَسِير .. , وكَأنَّها كُلُّهَا تُؤدِّي إلَىَ ذَلِكَ الصَوْت الَّذِي أطْلَقَهُ جَوَادُ الحُسَين وهُوَ يقُول [الظَلِيمَةُ الظَلِيمَة مِن أمَّةٍ قَتَلَتِ ابنَ بِنتِ نبِيِّهَا !]

أضْنَىَ يعقُوب شَوْقَهُ إلَىَ يُوسُف , فبَكَاهُ حتَّى ابيَّضَت عَيْنَاهُ مِنَ الحُزْنِ وهُوَ كَظِيم , وأضْنَىَ رُقيَّة شَوقُهَا إلَىَ الحُسَين , فبَكَتْهُ حتَّى رَحَلَت إلَىَ الفِرْدَوسِ الأعْلَىَ , بِشَفَتَيْنِ ذَابِلَتَين , وقدَمَيْنِ مُتوَرِّمَتينِ , وجسَدٍ نَحِيلٍ يَتلظَّىَ شَوْقَاً لِعِنَاقِ أبِي الأحْرَار !

فما أعْظَمَ طِفْلَةَ الحُسَيْن , الّتِي وجَبَ علينَا أن نَقِفَ على أعتَابِ سنِينِهَا الأربَعِ , ونتأمَّل طَوِّيلاً فِي سنَتَهَا الأخِيرَة المُثخَنَةَ بِالجِرَاحات , نتأمَّلُ حِكَايَةَ الصَبْرِ , ودَمْعَةَ اليُتم الّتِي اهتَزَّت لهَا أظِلَّةُ العَرش .. !
آن لنَا أن نُقبِّلَ جَبِينَ الحَقِيقَة الَّتِي كُتِبَت بِدَمَاءِ الطفّ , أنّ لأبِي الأحرَار طِفْلَةٌ حمَلَت نبُوءَة الحُسين (ع) , وصَبْر زَيْنَب (ع) , وجِرَاحَات فَاطِمَة (ع) , وحُزنَ النبيِّ يعقُوب (ع) بَل وأعظَمُ !

[حُلمٌ مُقدَّس]

حُلْمٌ يَلتَصِقُ بِجُفُونِهَا , ويُدَاعِبُ قَلْبَهَا الأبيَض , إنَّهُ الحُلمُ المَلائِكِيِّ الَّذِي عَكَسَ لَنَا عِشْقَهَا اللاَّمُتنَاهِي لِلحُسيَنِ (ع) , فبَعْدَ غِيَابِهِ الطَّوِيلُ , ها هُوَ ذَا بِرِدَائِهِ الأبيَض , يقتَرِبُ مِنْهَا , ويُقدِمُ على مُعانَقَتِهَا , يَمُّدُ يَدَيْهِ لِيَحْتَضِنَ جسَدَهَا المُدمَىَ بِالجِرَاح , المُحمَّرِ المَقْرَحِ , ولكِنَّ .....أفَاقَت مِن حُلْمِهَا على وَاقِعٍ مَرِير , فِي خَرِبَةٍ بَالِيَة , بِلا اليَدِ الحَانِيَة , بِلا النَظْرَةِ العَطُوفَة , بِلا السجَّادَةِ والجَبِين!

أخَذَهَا الجَزَعُ , صَرَخَت بِلا توقُّف , يَقتُلُهَا الحَنِين إلَىَ وَالِدِهَا الّذِي أيتَمَهَا لِيَلْقَىَ ربَّه فُوجِئَت بِآنِيَّةٍ مُغطَّاةٍ بِمِنْدِيلٍ تُوضَعُ بِيَدِ أحَدِ الجُنْدِ بَيْنَ يَدَيْهَا , ارْتَجَفَت , ذُهِلَت .. , مَدَّت الطُهْرُ زَيْنَب (ع) ورَفَعَت المِنْدِيل ....... !

إنَّهُ صَوْتُ الأصْدَاءِ الحَزِينَة , إنَّهَا الدَّهْشَةُ والذُهُول .. إنَّهُ الإنْكِسَارُ حينَ يَرْتَسِمُ عَلَىَ الشِفَاهِ الذَابِلات , ويَنتَقِلُ إلْينَا عَبْرَ الأزْمِنَةِ الغابِرَة ليُحرِّكَ فِينَا ذَلِكَ الإحسَاس الّذِي يتدفّقُ ألمَاً .. !

رُقيَّة المُضرَّجَة بِالحُزنِ , تَصْرُخُ بِعُمقِ شُعُورِهَا , ذُهُولاً .. فقَد كانت رُوحُها تهفُو للقَاءِ أبيهَا , ولكِنّها رأتهُ بِحالٍ مُخْتَلِف شيبَتُهُ مُخضَبَّة بالدَمِ , مَنحَرُهُ يَدْمِي ,ثناياهُ مُكسَّرَة بِفِعْلِ قَضِيبِ يَزِيد , بَكَت على رأسِ أبِيهَا , قبَّلَت جبَينَهُ الطاهِر , الـ يشُعُ نُوراً حتّى عِنَان السمَاء , قبَّلَت شَفَتَيهِ الذَابِلَتِينِ , ناجَتْهُ بَصَوْتِهَا الحَزِين [يا أبتاه من الذي خضّبك بدمائك، يا أبتاه من الذي قطع وريدك، يا أبتاه من الذي أيتمني على صغر سني، يا أبتاه من لليتيمة حتى تكبر!] صَرخت , وأعوَلَت فِي البُكَاءِ حتَّى غُشِيَ علَيْهَا ! , وكَانَ القَدَرُ , أن تَرحَلَ رُوحَهَا , وهِيَ تشُمُّ مَنحَرَ أبيهَا وتَحتَضنُ شَيْبَتَه

•••••••••••••••••••••••••••••••••
[هَمْسَة]

تَرْنِيْمَةُ الحُزنِ , الّتِي خَلُدَت بِرَغْمِ سنِّهَا الصَغِير إلاَّ أنَنا نَقِيسُ عظَمَتَهَا بمَا قدَّمَتْهُ وَ بَذَلَتْه , ولَو أرَدْتَ أن تَشُمَّ رِيحَ العَظَمَة .. اتِّجَهِ إلَىَ الشَام , لِتَرَىَ قَبْرَهَا الشَامِخ .. وتُحِسَّ بِحُزْنِهَا العَمِيق , وتسْمَعُ أصوَات البُكاء والنَحِيب ..!

إنَّهَا رُقيَّة .. وَرْدَةٌ , قَطَفَهَا القَدَرُ ..!.



أمَا مِن نَاصِرٍ يَنْصُرُنَا !



وَيَبْدَأُ العَدُّ التَنَازُلِي لِكَسْوِ العَالَم بِالسَّوَاد , والإتِّشَاح بِالحُزْنِ , آنَ للقُلُوب الطَاهِرَة أن تُمَارِس لَذَّة بُكَاءِ الحُسين , وللأروَاح أن تُغَادِر الأرْض وتَطُوف السمَاوَات , تُعزِّي فَاطِمَة الزَّهْرَاء بِفَقِيْدِهَا قَتِيل العَبْرَة الّذِي ما ذَكَرَهُ مُؤمِّنٌ إلاّ وبَكَىَ , إنَّهُ الشهْر الّذِي بَكَت فيهِ السَمَاوَاتُ وسُكانها , والأرَض وعُمَّارها ..

وكأنَّنَا فِي هذا الشَهْر نَسْمَعُ النِدَاءَ الأسْمَىَ , والهِتَاف المَلائِكِي , حَيْثُ بَقِيَ الحُسينُ وحِيداً عَلَىَ رَمْضَاءِ كَرْبَلاء , يُنَادِي " أمَا مِن نَاصِرٍ يَنْصُرُنَا , أما مِن مُغيث يُغيثُنا " , إنَّهُ المُحَرَّمُ مُقْبِل , إنَّهَا الصَرْخَةُ تَذْوِي فِي الآذَان وتُلامِس النُفُوس الحيَّة , وكَأنِّي بِالمَلائِكَةِ الضَاجِّين , في كُلِّ صَوْبٍ يَنتَحِبُون !..

إنَّهَا صَرْخَةُ الحَق , والنِدَاءُ الَّذِي يُنَاسِب كُلَّ الأزْمِنَة , ويقصِدُ الضَمَائِر فيُحييهَا, والقُلُوب فيُطَهِّرُهَا , إنَّهُ النِدَاء الّذِي وجَهّهُ الحُسينُ رُوحِي لهُ الفِدَاء لِكُلِّ العالمِين , ولكُلِّ الأزْمِنَة !..

فهَل يا تُرىَ سنَخْذُل الحُسين , ونصُمُّ آذَاننا عَن سَمَاعِ النِدَاء؟!

بالتَّأكِيد فإنَّ مَنِ ارْتَضَعَ لِبَانَ حُبّ الحُسين, وكذلِكَ مَن عَرَفَهُ حقَّ المَعْرِفَة , وعَرَفَ عَظَمَة تضْحِيَتِه , لَن يَخْذُلَه أبداً !..
وهُنَا يكُونُ السُؤَال , كَيْفَ نَرْبِطُ على قُلُوبِنَا معَ الحُسين .؟
عَشرةُ الحُزْنِ قَادِمَة , ها هِيَ القُلُوب تَهْفُو للإلتِقَاء بمَعْشُوقِهَا والذَوَبَان في أبْجَدِيَّة عِشْقِ الحُسِين , فيَالهَا مِن لذّةٍ لا يستَشْعِرُهَا إلاّ مَنِ انْغَمَسَت رُوحهُ بمَاءِ مَعِينِ حُبّ الحُسِين .. !

فمِنّا مَن يَشْعُر بِأنّ هذِهِ الأيَّامُ هِيَ المُختصَر الشَفِيف للعَام القَادِم ويشعُرُ بأنَّها فُرصَة وإضاعتها غصّة , والبَعضُ ينتَظِرُ لإصْلاحِ نَفْسِه , لَيَسْمَعَ مُحاضرَة دينيّة توعوِيَّة , تُمهِّد لهُ طريق التوْبَة , وتمكّنهُ من تخطّي كُلّ العثرات , و البَعْض يَنتَظِرُ لِينهَل من فيضِ الحُسين عليهِ السَّلام ويرغَب في علمِه , واقتِفَاء أثَرِه !
أمَّا البَعض الآخر فإنَّهُ يجِد في البُكاء على الحُسين لذّة وطريق نحوَ الصوَاب , ونحوَ عوالِم السمَاء , فنَجِدُهُ مِنَ المُتابعِين للمآتِم , بِشَكلٍ دائِم , وآخرين غافلِين !!

فمُحرَّم يختَلِف من فردٍ لآخر , من فكرٍ لآخر , من عقل لآخَر , من قلبٍ لآخر , فنرَى بعض ضُعفَاء النُفُوس , في الكفَّة الأخرَى , ينتَظِرُونَ مُحرّم لتتسنّى لهُم الفُرصَة لإشْبِاع لذّة النَظَر إلى الجِنسِ الآخر , والتظَاهُر بخِدْمَةِ الحُسِين فِي حِين أنّ الحقِيقَة والوَاقِع هُم يهْدِمُونَ هذِهِ الشعَائِر الحُسينِيّة , ويشُوّهُونَ أهدافَهَا , فنرَاهُم يُضيعُون القيمة العُظمَى من الشهرِ العظيم , في الهرجِ والمَرج , ونرى مواكِب الحُسين تَظْهَرُ و يتزامَن ظُهُورُهَا وظهُور بعض الشبَاب الطائِش المُراهِق , والفتَيَات المُتبرِّجَات اللَّواتِي ينْظُرْنَ إلَىَ مواكِبِ العزاءِ للتفَرُّجِ دُونَ فائِدَةٍ تُذْكَر , فلا الحُزنُ بادٍ على الوجُوه , ولا العيُون بَاكِيَات !

فقَط السُخرية والهزَل هُوَ همّهُم الأوَل , فيالهُ من زمنٍ يُعرض النَاس فيهِ عنِ الحقّ , ويتجّهِون نحوَ اللهو , ويُستخدَمُ الحقُّ فيهِ للباطِل , هُوَ الأمرُ كذلِك , فهُم يدّعُون خدمَة الحُسين من أجلِ تحقيق أهدافهم الرخِيصَة , والكثِير ممّا سَمِعنَاهُ وشهِدنَاه بِمرَأى أعيننا في الأعوام السابِقَة , لهُوَ حقّاً يُدْمِي العَين , وإثبَات الشيء لا يَنفِي ما عدَاه !!

إنّ انطِلاقَة الحُسِين رُوحِي لَهُ الفِدَاء ما كَانت لمُمارسَة البُكاء وبعض الشعَائِر في فترة زمنِيّة مُحدّدَة , ومعصية الربّ في فترة أخرَى , بَل انطلَقَت لتكُون ثورة خالِدَة بكُلّ تفاصِيلِهَا في أعماقِ كُلّ إنسان رسالِي , وإنّما هذِهِ العشرة تكُون أشبَه بجرسٍ يدُقُ لِيُذكّرَ الإنسَان بما قدّمَهُ الحُسين عليهِ السّلام من تضحِيَات من أجلِ إقَامَةِ الصلاة وترسِيخ الدِين في أعماقِ كُلّ فَرد !

إنّه , لمِنَ المُخجِل الإعترَاف بِأنّ فئة من شبابِ اليُوم لا تُصلِّي ..ومِنَ المُحزِنِ حقّاً , أن نرىَ المآتِم تصدَح بِصَوْتِ الحقّ وتُبيّن دور السيّدَة زَينب عقِيلة الطالبِين في كَرْبَلاء , وكَيْفَ لحِجَابِهَا وصلاتِهَا وأدَبِهَا وأسلُوبِهَا في الخِطَابَة وقُوّتِهَا وتمكّنِهَا , دور عمِيق في واقِعَة الطَفّ الأليمَة ..

ونرى بعض فتياتنا اليُوم , وقَد أعمَتْهُم الرَغبَة , وصُمّت آذَانُهُم عن سمَاعِ الحقّ والصواب , و يَرتَدِينَ العباءَات الضَيِّقَة الّتِي تكشِفُ ولا تستُر , ويتزَيَّنّ بالحُلِيّ والحُلَل , ويُبالِغنَ في التطَيّبِ والتعطّر , بِمَا يجرَح مشَاعِر الكَثِير مِنَّا فمَا بَالُنَا بفَاطِمَة الزَهْرَاء عليهَا السَّلام وهِيَ ترَىَ وُفَّادَ مآتِمِ ابنِهَا بِهذا الحَالِ , بَل وكَيْفَ ينْظُرُ الموعُودُ مِن آلِ محمَّد لهُنَّ ..!

البَعض مِنْ أبنَائنَا لا يَدْرِي كمِ السَاعَةُ ولا وَقت الأذَان , ولا كَيْفِيَّة الصَلاة , ولا يَعرِفُ إلاّ المجلات الرخِيصَة الّتِي لا تُغنِي ولا تُسمِنُ من جوع , لا قُدرَةَ لهُم على الكِتَابَة , ولا طاقةَ لهُم على المواجهَة, ولا يجِدنَ أيّ فنٍ للخِطَابَة !

فكَيْفَ ندّعِي أنّنَا نُلبّي النِدَاء , وكَيْفَ نصرُخُ بـِ "لبيكَ يا حُسين " , ونحنُ لا نقتدِي بِمن هُم أهلٌ للإقتِدَاء , بِمَن قال لها الحُسين روحي لهُ الفِدَاء , " أخيّة زينب اذكُريني في صلاة اللّيل" , لِمَ ندّعِي معرِفَتَهُم وقُربَهُم , ونحنُ بعِيدُونَ كُلّ البُعدِ عنهُم , لا نتخلَّقُ بأخلاقِهِم , ولا نتصّفُ بصفَاتِهِم , لِمَ ؟!

ألا يجدُرُ بِنَا أن نتوقّفَ لِلحظَة , نتأمّل تصرُفَاتنَا , ونُعاتِبَ هذِهِ النَفْس , ونلُومُهَا , على كُلّ الذنُوب الّتِي اقترفتهَا .. !

ألا يجدُرُ بِنَا أن نتوقَفَ لِلحظَة , لِنرَىَ كَم أجْحَفْنَا في حقِّ مِن قدَّمَ كُلّ ما يَملِك لِيُصلِحَ في أمَّةِ جَدِّه ويأمُر بالمَعرُوف وينهَى عنِ المُنكَر !

ألا يجدُرُ بِنَا أن نتوقَفَ للحظَة , لِنرَىَ كم أجحَفْنَا في حقِّ أنفُسِنَا , بإلبَاسِهَا ثوب الذنب , ومعصية الرب , والتقصِير في من أعطَىَ , وبذَل مُهجتَه !

ألا يجدُرُ بِنَا , أن نُعِيدَ التفكِير مليَّاً !!

إنّهُ المُحرّم , وإنّهَا عاشُورَاء .. لـِ نُطفِئ غضَب الربّ بالدمُوع , بِالبُكاءِ على الحُسين , لـِ نَتُب إلىَ الله , ولـ نكُن مِنَ خُدَّامِ مُحمَّدٍ وآلِ مُحمَّد , والنَّاصِرِينَ لهُم , بإفَاقَتِنَا مِن غفلَتِنَا , وبِذَلِك نُلبِّي نِدَاء الحُسين , حيثُ يقُول " أما من ناصِرٍ ينصُرُنَا .. " , فلنَنصُر الحقّ بكُلّ ما أوتِينَا من قُوّة..